أقلام حرةاخبار 24 ساعةكتاب وأراء

السنة الدراسية الوردية والدخول المدرسي المشبوه

بقلم: منصف بنلحسن

كباقي المغاربة، حين اطلعت على البلاغ الذي أصدره وزير التربية والتعليم للرأي العام المغربي، والعرض الذي قدمه أمام البرلمان، والتصريحات التي أدلى بها لوسائل الإعلام الوطنية، والمتعلقة كلها بما أصبح يعرف بتعليم البعد والقرب والغياب والحضور، وما شابه ذلك، أصابني الدوار.

تابعت كل ذلك باهتمام كبير وإمعان وتفحص، ولحد الآن لم أفهم شيئا! كل ما خرجت به أن الوزارة في حيرة من أمرها وفي ورطة كبيرة وتخبط ما بعده تخبط!

موقف الوزارة الصعب هذا، دفعني إلى التفكير مليا، فاهتديت بعد جهد جهيد، إلى أن أقترح عليها سنة دراسية وردية اللون، بدل السنوات الدراسية البيض والسود التي عرفها تاريخ التعليم في وطننا، وبدل السنة المزركشة المخروزة التي جاء بها السيد الوزير.

فكيف تكون سنتي الدراسية الوردية هذه؟ وما الذي يمكن أن تغيره بالتعليم في وطننا؟

السنة الدراسية الوردية

سألت نفسي مجموعة أسئلة: ألم تكن السنة الدراسية الماضية ثلثي سنة فقط؟ ألم ينجح الناجحون ويرسب الراسبون؟ ألم يواصل القطار سكته ولم يحدث ما يعكر صفو المغاربة والحكومة والدولة؟

الأجوبة كما يبدو، واضحة لا لبس فيها ولا غبار عليها، كل شيء على ما يرام والحمد لله على كورونا وعلى السيد الوزير وعلى وزارة الترقيع و (البغرير).

قلت مع نفسي بداية، لم لا نجعلها نصف سنة مثلا، فيكون الدخول المدرسي أواخر دجنبر أو أوائل يناير، كما طالب بذلك الكثيرون، على أمل تحسن الحالة الوبائية بالبلاد؟ أو لم لا نُقزِّمها إلى الثلث حتى، فيكون الدخول أوائل أبريل؟ ما الأمر الجلل الذي يمكن أن يحدث؟ سنة دراسية كاملة أو ناقصة سيان، فالتلميذ المغربي يخرج من السنة الدراسية كما دخلها لا فرق.

بما أنه لا فرق والحالة هذه، فلم لا أقترح، قلت لنفسي، على الوزارة أن تلغي السنة الدراسة التي هي على الأبواب بالمرة، وحتى بعيدا عن احتمالات كورونا وتبعاتها، سنة دراسية واحدة ناقصة من عمر التعليم في هذا الوطن، لن تغير من المحصلة الكثير، مادامت ستكون على شاكلة سابقاتها بيضاء أو سوداء أو ربما بلون آخر لم تر له الطبيعة مثالا.

ما الذي سيحصل لو ما ألغيت سنة دراسية واحدة؟ على الأقل سيؤجل ذلك تخرج فوج جديد من العاطلين حملة الشواهد سنة واحدة. وتريح المغاربة مما يرافقها من ضغوط مادية ونفسية؟ وتنقد الوزارة والحكومة من حالة التخبط والضياع. لماذا لا تلغى هذه السنة ونجعل لونها ورديا تنسينا السنوات البيض والسود التي عرفها التعليم في المغرب؟ لماذا لا نلغيها ونجعل السنة فرصة للتأمل مليا في أوضاع التعليم المزرية، والانكباب على الإعداد لإصلاح حقيقي يقطع مع ما أفسدته الإصلاحات السابقة التي أصبحت مرادفة للإفساد، لكثرة الخيبات التي رافقتها وحالة التخبط التي ميزتها على مدى الخمسين سنة الماضية؟

هذه الإصلاحات التي اقتصرت في مجملها على أمرين اثنين، الأول تقليص الميزانية المخصصة للتعليم بضغط وتوجيه من المؤسسات المالية الدولية، والثاني تغييرالمناهج بمناسبة وبدونها، حسب هوى الأحزاب أو خضوعا لضغوطات داخلية وخارجية، وما رافق ذلك من صراع بين (المُعرِّبين) و(المُفَرْنِسين)، هذا الصراع الذي مازال متواصلا إلى اليوم، ثم دخل ميدان التباري عنصر جديد تجلى في (المُدَرِّجين) ما رمى بنا في مستنقع آخر جديد يتعلق بالبغرير والبريوات وما إلى ذلك من ضياع.

لا أتحدث هنا عن التعليم بالمطلق، ولا أريد أن أبخس رجال التعليم كفاءتهم ومجهوداتهم، ولا أريد إنكار تضحيات الأسر المغربية التواقة إلى العلم والمعرفة، أبدا، هم كلهم ضحية هذه المنظومة المختلة والبنية المفككة للتعليم، لكن هذا التردي الذي لا يطاق يجر جرا للحديث بهذه الحرقة، وبهذا الخوف وبهذه الغيرة على مستقبل التعليم في هذا الوطن الذي تناوبت على رئاسة تسيير شؤون البلاد والعباد فيه حكومات من شتى المشارب والأفكار والعقائد والايديولوجيات، فلا اليساري أفلح في الانحياز إلى (الجماهير الشعبية)، ولا من يشاطره الوطنية استطاع الحفاظ على (هوية الوطن) ولا الإسلامي استطاع (تغيير المنكر) وهذه حكاية أخرى قد نتصدى لها في مقام آخر.

أمام الحكومة إذن، حسب سنتنا الوردية، عاما كاملا للتأمل والبحث والتخطيط من دون ضغوط ولا إكراهات، للخروج من هذا المستنقع الكبير الذي ألقت بنا فيه سياسات يصعب اختيار الوصف الذي يليق بها! هذه الإصلاحات يساهم فيها خيرة الخبراء والباحثين والمفكرين الغيورين من أبناء هذا الوطن، غير طامعين في مكاسب أو مناصب، مستقلين عن كل تبعية مقاولاتية أو سياسية أو أيديولوجية أو كهنوتية من دون اللجوء إلى مكاتب الدراسات التي أصبح المسؤولون يلجؤون إليها في كل صغيرة وكبيرة، مع ما تكلف الخزينة من أموال، وما يكتنفها من ضبابية وغموض ولف ودوران، هذه هي السنة الدراسية الوردية، هكذا وبكل بساطة صورها لي شيطاني، قد تغير الشيء الكثير، وتضيف إضافة عظيمة الفائدة، فلا هي مكلفة ولا فيها خطر على أبناء الوطن من كورونا، فيها فقط أمل بأن كل شيء ممكن وأن بإمكاننا البناء، وأنه ليس من العيب أن نتوقف قليلا لنتأمل ونراجع أخطاءنا وزلاتنا، نحاسب أنفسنا ونعاتب بعضنا، ونتطلع إلى الأفق البعيد لا أن نراقب أصابع أقدامنا

دخول مدرسي مشبوه

لنعد الآن إلى السنة الدراسية المزركشة المخروزة التي جادت بها قريحة السيد الوزير أو من والاه وآزره وخطط له أو معه، ونرى إن كانت ألوانها وغرزها متناسقة أم ستصيب الناس بالحول والعمى الأزرق، فوق الجهل والنفور من العلم والتعلم الذي يُفرض على المغاربة سنة بعد الأخرى

سؤال ملح يطرحه الشارع المغربي بقوة، لماذا يصر السيد الوزير على دخول مدرسي من هذا النوع؟ رغم معارضة واسعة من الشارع المغربي؟ ولماذا يرفض تأجيله رغم الحالة الوبائية المقلقة؟

رفض التأجيل برره السيد الوزير بعدم وضوح التوقعات بخصوص الوضع الوبائي، فهل فات السيد الوزير أن عدم الوضوح هذا يفيد فيما يفيد كذلك، بأن أمر التأجيل وارد أيضا إذا ما وضحت التوقعات، وأصبحت الحالة الوبائية أكثر سوءا، لا قدر الله، وقد يجر التأجيل وراءه تأجيلا آخر حسب تلك الحالة، وهكذا قد ندخل في مسلسل من التأجيلات. فهل يريد السيد الوزير أن يستغفل المغاربة بحديثه عن توقعات غير مبنية على أي أساس، بدل الحديث عن واقع الأرقام الصارخة التي تتفاقم يوما بعد يوم؟

أمر محمود أن تكون نظرتنا متفائلة، وخطانا حذرة، لكن من التهور أن نرى الوضع يتردى لحظة بعد أخرى ونبني نحن مستقبلنا على الأماني و التوقعات و التكهنات،  عدم وضوح التوقعات هذا، والحالة الراهنة الصعبة لانتشار الوباء، يجب أن يدفعنا إلى التريث في اتخاذ أي قرار بدل الزحف نحو دخول مدرسي محفوف بالمخاطر، غير أن السيد الوزير، على ما يبدو مصمم العزم ولا نية لديه للتراجع.

مبررات السيد الوزير لا تطمئن بالمرة، وتنبعث منها رائحة ما غير مرغوب فيها، أغلب الظن أنها لضغوط أباطرة الكتاب المدرسي والتعليم الخصوصي الذين لا يريدون لكورونا أن تفوت عليهم صفقات ضخمة بالملايين. فالتعليم بالنسبة للسيد الوزير هو مجرد أرقام و ميزانيات و صفقات بينما هو أكبر و اكثر و أهم من كل ذلك، والخوف كل الخوف أن تبدأ السنة الدراسية لتنتهي بمجرد تسويق الكتاب وباقي اللوازم المدرسية، الخوف كل الخوف أن تنتهي بمجرد التوقيع على الالتزام وأداء الرسوم والواجبات، ثم تتخذ الدولة قرارها بحظر جديد أشد من سابقه بتوجيه من الدوائر الصحية، هذا الحظر الذي يبقى واردا حسب تطور الحالة الوبائية، كما جاء في خطاب ملك البلاد الأخير، ما قد يدخل المغاربة في دوامة يصعب التكهن بمداها و قوتها.

سنحاول مسايرة السيد الوزير في خططه وخططه البديلة (وإن وإذا ولو وربما)، ونفترض أن المغاربة سيختارون التعليم عن بعد، وهذا ما لا يمكن أن يحصل لاعتبارات يعرفها الشعب المغربي، وتعرفها الوزارة، ويعرفها البعيد والقريب والعدو الحبيب، هل الوزارة الوصية جاهزة لتقديم منتوج يلبي الحاجات في أدناها؟ سيكون جواب الوزارة بالإيجاب طبعا مع أنها تعرف أن المغاربة لن يصدقوها لكثرة ما كذبت عليهم .

لنسلم أن المادة الجاهزة التي تحدث عنها السيد الوزير ستكون ذات جودة تنسينا العبط والضحك على الذقون الذي تابعناه خلال الثلث الأخير من السنة الدراسية الماضية، منتوج في أغلبه يفتقد لأدنى مستوى من الحس الفني والجمالي، منفر من العلم ومن التحصيل ومن التلفزيون ومن الأستاذ ومن المدرسة، خلل في الصوت، خلل في الصورة، حتى الخلل كان به خلل. بكل صدق وتجرد وأمانة، أغلب ما تم تقديمه كان مشوها بكل معاني الكلمة.

كل ما فعلته الوزارة أنها جمعت أو اشترت أو تسولت مجموعة مواد، هي في أغلبها مجهودات شخصية بإمكانيات خاصة لثلة من جنود التعليم، أو أشخاص قاموا بإنتاجها في زمن ما، أو في خضم الجائحة بوسائل وإمكانات شخصية بسيطة.

هل الوزارة قادرة على توزيع الحواسيب واللوحات الإلكترونية على التلاميذ وهي العارفة بحال الأسر المغربية؟ طبعا لا، ولا هي قادرة على التدخل لتوفير صبيب شبكة قادر على تحمل كل اتصالات المتمدرسين، ولا هي قادرة على تغطية تكلفة الأنترنيت، ولا تكلفة التدريب والاستئناس بمواقع التعلم عن بعد، هذا الحال في المدن، أما العالم القروي فحدث ولا حرج. إذا كانت الوزارة غير قادرة على هذا فعن أي بعد تتحدث إذا؟ لعلها تقصد بعدها عن الصواب وعن الواقع المر، وعن هموم المواطنين والوطن.

يبقى الاختيار الثاني وهو الذهاب إلى المدرسة وهو الخيار الذي قد يلجأ إليه المغاربة مرغمين  ليقامروا بصحة أبنائهم خوفا من الجهل، في هذه الحالة يقول السيد الوزير أن الوزارة اتخذت (كل وجل وجميع) التدابير الوقاية، ولديها بروتوكول صارم سيتم تطبيقه حرفيا، على من يضحك السيد الوزير، أعلى الأسرة المغربية التي تعلم كما يعلم هو حال مؤسساتنا التعليمية التي لا تتوفر في غالبها حتى على مراحيض تلبي كرامة الإنسان أم على نفسه بظنه أن المغاربة سيصدقون كلامه ويصفقون له ويرمون بأبنائهم بين براثين الوباء والإهمال عن طيب خاطر، في تماه تام مع الخطة إياها؟ المؤلم أيضا أن السيد الوزير يعول على سلطة الأسرة على أبنائها لتطبيق بروتوكوله الوقائي أو الاحترازي. عن أي سلطة يتحدث السيد الوزير؟ سلطة الأسرة؟ أين هي سلطة الأسرة؟
الكارثة الكبرى والخطيئة التي لا تغتفر، هي ادعاء السيد الوزير من دون خجل إشراك الأسر المغربية في اتخاذ القرار. مصيبة ما بعدها مصيبة، عن أي قرار يتحدث معالي الوزير وعن أي إشراك؟ منذ متى قام باستشارة أولياء الأمور حتى يشركهم في تنفيذه ؟ هل يظن السيد الوزير أن الشعب المغربي ساذج ولهذه الدرجة من السذاجة بحيث يصدقه ؟ خيار المغاربة الثالث الذي لم يتضمنه قرار السيد الوزير هو الاصلاح الشامل، و إلغاء السنة الدراسية هذه، فليكن شجاعا وليستفت المغاربة في الأمر، هذه هي المشاركة الحقيقية، في انتظار ذلك  المغاربة يتنازلون للسيد الوزير و وزارته في قرارة أنفسهم عن هذه السنة الدراسية جملة وتفصيلا بحضورها وغيابها  ببعدها وقربها، ويطالبونهم باستغلال هذه السنة كاملة في عملية إصلاحية حقيقية تنسينا سنوات الفساد وتدمير التعليم، الأسرة المغربية تقول لهم ألغوا السنة الدراسية، انحازوا ولو مرة واحدة إلى جانب هذا الشعب الطيب الصبور المغلوب على أمره، بدل الانسياق وراء أباطرة التعليم الخصوصي والكتاب المدرسي، وما يتبع ذلك من أرقام و ميزانيات وصفقات.

أصبحت السنة الدراسية المزركشة المخروزة في حكم النافذة الآن، بفعل إصرار السيد الوزير وتغاضيه عن الرأي الآخر، ووفائه لسياسة الوزارة المدمرة، غير أن دخولها سيظل مشتبها به في نظر المغاربة متهما إلى أن تثبت براءته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى