اخبار 24 ساعةتقاريرجهاتمجتمعمدارات

جبل شقران.. مدامع العسل

أبو مجد/ وان نيوز

إن أردت الشفاء، فعليك بعسل شقران.. هاته العبارة يسمعها مرارا السائل في الريف الأوسط عن الغذاء الصحي بهدف التعافي من مرض ما..

ترى ماسر هذا العسل؟ وما شقران هذا؟

جبل شقران.. حارس الشموخ والخيرات

شقران إسم جبل، اقترن بالشموخ والصلابة، وصعوبة التضاريس، والصمود في وجه موجات العولمة.. يصل إرتفاعه إلى 1930 متر عن سطح البحر ، وهو من جبال الريف الأوسط لإقليم الحسيمة، يقع داخل النفوذ الترابي لجماعة ترابية تحمل إسمه (جماعة شقران) التي تنتمي لقبيلة آيث ورياغل إحدى أقوى قبائل الريف.

وبالسفح الشمالي للجبل، تستقر قرية شقران على إرتفاع 1600 متر على سطح البحر ، في منتصف الطريق الإقليمية رقم 5204 التي تربط مركزي أربعاء تاوريرت، وبني عمارت جنوب إقليم الحسيمة.

يشكل جبل شقران منبعا مهما لروافد نهري نكور وغيس، نظرا لحجم التساقطات المطرية والثلوج التي يعرفها سنويا خلال فصل الشتاء والمغذية لفرشاته المائية.

هاته التساقطات المطرية المهمة، وعلوه، فضلا عن تضاريسه الوعرة، جعلت منه إحدى أهم المناطق الفلاحية المعروفة بجودة منتوجاتها في الريف، والأقل استخداما للأسمدة الكيماوية، بخاصة منتوجات التين، القمح الطري ومشتقاته (الدشيشة، زامبو..)، العسل الحر، العنب، الدجاج البلدي، الأرانب، النباتات الطبية فضلا عن الفواكه والخضر.

عسل شقران.. إنتاج قياسي هذا الموسم

إذا كانت المرتفعات الغربية لإقليم الحسيمة تفوح في مثل هاته الأوقات من السنة بنسائم نباتات القنب الهندي، الذي يدر على مزارعيه مداخيل مهمة تقيهم نسبيا من شح ما تبقى من أشهر السنة، فإن مرتفعات الحسيمة الشرقية والجنوبية تسيل عسلا في شهر غشت سنويا، وتقي ساكنتها من شح السيولة خلال أشهر الثلوج والصقيع الموالية.

يقول (ن.أ)، أحد المزارعين والمنتجين الشباب بجماعة أربعاء تاوريرت بجبل شقران، أن إنتاج هاته السنة من العسل، فاق إنتاج السنة المنصرمة بثلاثة إلى أربعة أضعاف، بحيث إذا كان إنتاج خلية واحدة الموسم الفارط لا يتجاوز كيلوغرامين من العسل، فإن إنتاجها لهاته السنة بلغ حوالي8 كيلوغرامات من العسل الجيد، نتيجة انتشار غطاء نباتي وغابوي جيد بفعل التساقطات المطرية التي عرفتها المنطقة عكس السنة المنصرمة.

المستهلك يتساءل.. هل العسل حر؟

يروج بين الناس أن العسل الحر من سابع المستحيلات، وأن العسل المعد للبيع ما هو في الحقيقة غير إعادة تدوير للسكر عن طريق النحل.

سؤال نقلته جريدة “وان نيوز” إلى المنتجين للتحقق من شرعيته، وجودة عسل شقران معه.

يجمع الفلاحون والمنتجون للعسل بشقران الذين التقتهم “وان نيوز”، على جواب واحد ذي شقين، يتعلق الشق الأول بوجود عسل بجودة عالية، وعسل ضعيف الجودة، وهو ما تكشفه أسعار البيع، بحيث تتباين ما بين 250 و 450 درهما للكيلوغرام الواحد.

(نبيل.أ) يشرح بتفصيل لجريدة “وان نيوز”: ” العسل الحر هو عسل النحل الذي نجنيه من خلايانا التي نسهر على حمايتها طيلة السنة، وهو عسل لا يتضمن غير نسبة مفترضة ضئيلة من السكر إذا افترضنا أن مادة السكر تستقر ببطن النحلة لشهور..”

يواصل (أ): “عند حلول شهر أكتوبر تكون جبال شقران حيث يعيش النحل قد بدأت تجف، وفي أشهر نونبر ودجنبر، يبدأ موسم الشتاء القارس بمرتفعات شقران، ومعه تتهاطل الثلوج حيث تكسو المنطقة، مع موجات برد قاسية، ما يشكل تحديا حقيقيا لغذاء النحل، بل لبقائه على قيد الحياة، لأنه هش..”

وفي ظل هذه الظروف يضيف المصدر: “نحن كمنتجين نقوم بحماية نحلنا من جميع عوامل المناخ القاسية التي تسود المنطقة، بحيث نعمد لنقل خلايانا إلى السهول والمنحدرات حيث درجات الحرارة، ونقوم بتغذيتها بالسكر بعدما نعمد لتذويب مادة السكر في الماء، ثم نقدمها كغذاء مرحلي للنحل طيلة أشهر نونبر، دجنبر، يناير، فبراير إلى غاية شهري مارس وأبريل..”

ويوضح المصدر نفسه بأنه: “في شهر أبريل يكون موسم الربيع قد أزهر، وهو مايشكل الغذاء الأساسي للنحل، بحيث نوقف تغذيتها بمادة السكر بشكل نهائي، لأنها تشرع في إنتاج العسل، ولابد لها أن تتغذى نن تلقاء نفسها على الطبيعة لتنتج عسلا طبيعيا“.

وفي سؤال ل”وان نيوز” حول تأثير سكر أشهر الخريف والشتاء على جودة منتوج عسل الفترة الممتدة بين ماي وغشت، يجيب المنتجون بأن النحل لا ينتج العسل خلال أشهر الخريف والشتاء، وأنهم لا يجنون (العسل) في هاته الأشهر، بل، يدعون ما ينتجه كغذاء له، وأن غذاء السكر المقدم له، يتم فقط للحفاظ عليه من الإنقراض بعد انقضاء الغذاء الطبيعي وجفاف المنطقة.

 وحول أجود أنواع العسل خلال الفترة الممتدة بين أبريل وغشت، يؤكد النحالون بالمنطقة، أن أجوده إطلاقا، هو المستخلص خلال شهر غشت، وذلك نتيجة النمط الغذائي الذي يميز المنطقة، حيث التين والفواكه بنوعيها الخضراء والجافة، والخضراوات، والغطاء النباتي الجاف.

لماذا يتباين الثمن مابين 250و450 درهما للكيلوغرام الواحد؟

“لمليح كيتعرف بثمنو”، يجيب نحالو شقران والنواحي، يجمعون على أن السبب يكمن في غذائها خلال موسم الصيف حيث يبدأ النحل في إنتاج العسل كما ذكر سلفا.

ويفصل(ن. أ) بخصوص هذا السؤال، بأن “الفلاح الذي يبيع منتوجه ب 250درهما للكيلو، يفعل ذلك لضعف جودة منتوجه، بحيث أن غذاء نحله طيلة أشهر السنة، بما فيها أشهر الصيف حيث ينتج النحل، هو مادة السكر فقط، فضلا على أن النحال يعمد لاستخلاص “العسل” مرتين في السنة بدل مرة واحدة، أي يعمد لإستخلاص منتوج الخلايا النحلية خلال أشهر الشتاء، لأنه يعتمد على مادة السكر كغذاء لها بدل أن يكون منتوجها هو نفسه غذاؤها كما يفعل النحالون الذين يستخلصون العسل مرة واحدة في السنة”.

ولأن ذلك يوفر منتوجا أكثر، ولأن الجودة ضعيفة، فمن المنطقي أن يكون الثمن أقلا أيضا يؤكد نحال آخر شاب.

أما بخصوص العسل الذي يصل ثمنه 450 درهما للكيلو أو يتجاوزه، فهو العسل الذي يُستخلص مرة واحدة في السنة، أي في فصل الصيف فقط، على عكس العسل الأقل جودة، لذا جودة عسل أشهر الصيف عالية، وهو ماينعكس على ثمنها.

إنتاج قياسي… وماذا عن التسويق؟

قد يخطر على بال القارئ، أن إنتاج نحالين بسطاء بقرى الريف الأوسط وجبال شقران تحديدا، لا يعدو عن كونه إنتاجا بسيطا موجها للاستهلاك المحلي فقط.

الواقع يقول أن نحالا واحدا، قد ينتج خلال موسم فلاحي جيد، طنين من العسل العالي الجودة، كما هو الشأن بالنسبة لأسرة (ن.أ)، بالرغم من أن عملية استخلاص العسل لا تتم إلا مرة واحدة في السنة.

وبعملية حساب بسيطة، قد يحصل النحال هذا مقابل منتوجه من العسل سنويا، على مدخول سنوي يناهز عشرة ملايين سنتيم، وهو مدخول محترم إلى جانب مداخيل باقي منتوجات الموسم.

سؤال التسويق، لا يحتاج لكثير كلام، فعسل شقران أضحى ماركة مسجلة في مخيال مستهلكيه وعارفي سره، بحيث أن الطلب الخارجي يتجاوز العرض بشكل مستمر حسب نحالي المنطقة.

في هذا السياق تقول مصادرنا، أن طلبات الشراء تتقاطر قبل استخلاص العسل، “وما أن ننهي عملية استخلاصه، حتى نبدأ في توزيعه، وإيصاله لزبنائنا بمختلف مناطق المغرب وبالخارج أيضا، فضلا عن زبنائنا الذي يقصدوننا إلى حيث مزارعنا بمرتفعات شقران” يؤكد نحالون آخرون بنفس المنطقة.

عملية بيع العسل.. الثقة سر النجاح

(ن.أ)، أفادنا بأن هاته السنة، ونظرا لأحكام قانون الطوارئ الصحية التي حدت من توافد الجالية المغربية بالخارج على المنطقة، وكذا زبناء بعض المدن المغربية، عمل على إشهار منتوجاته الفلاحية عبر مواقع التواصل الإجتماعي، مما سهل عملية تسويق منتوجه من العسل ومنتوجات أخرى بشكل سلس وفعال، موظفا بذلك التكنلوجيا الحديثة في ازدهار تجارته، رغم ما تعانيه المنطقة من تهميش الفاعلين الإتصالاتيين بحسب زعمه، وهو التهميش الواضح في ضعف التغطية الذي عاينته جربدة”وان نيوز” أثناء تواجدها بالمنطقة.

وبخصوث عملية البيع حسب ما استقته الجريدة، فالطريقة المعتمدة لدى أغلب نحالي المنطقة، هي استقبال الطلبات متضمنة للكميات المطلوبة، ونوع العسل بعد الاتفاق على ثمن الكيلوغرام الواحد، ثم تسلم ثمن المنتوج عن طريق وكالات تحويل الأموال، وبعده إرسال الكمية المطلوبة بإحدى الطرق المتفق عليها.

ويوضح أحد فيدومي نحالة المنطقة بهذا الخصوص، أنه في حالة ما إذا لم يقبل المشتري جودة العسل ورغب في إعادتها، فيمكن له ذلك متى شاء على أن يسترجع ثمن ما أرجعه من المنتوج.

ويضيف، أن “جودة عسلنا لم تكن يوما محل شك من قبل زبنائنا”، مشيرا إلى أن تفادي الغش في الإنتاج، يجعل المنتج في غنى عن المشاكل مع المستهلكين والزبناء على حد سواء.

شقران الجبل الدامع عسلا في الصيف إذن، هو شقران المتلألئ ثلجا في الشتاء، هو نفسه شقران العصي على رياح التخلي عن النشاط الزراعي، هو نفسه شقران الملاذ الأول والأخير لأبنائه وبناته، وهو التربة التي تنتظر سواعد أهله طيلة السنة لتفيض خيرات لذيذة وبجودة عالية.

عود على بدء، إن أردت الشفاء فعليك بعسل شقران، ومن الأفضل على الإطلاق عسل شهر غشت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى