اخبار 24 ساعةتقاريرمجتمع

كيف تغذّت ظاهرة “الحريك” من الشبكة العنكبوتية محوّلة النّاظور إلى حديقة خلفيّة للحالمين بالفردوس الأوروبي

وان نيوز: بدر أعراب من الناظور


اِستِهـلاَلـ

ونحن نشتغل في جريدة “وان نيوز” على ملف ظاهرة “الحريك”، التي باتت تُخيِّم بظلالها على سماء الناظور، وتُلقي باِنعكاساتها السلبية على راهـن الحاضرة، وبلدتها الحدودية الضاحوية “بني أنصار” الواقعة تحت نفوذ حيّزها الترابي، لم يخرج عن حسبان الجريدة، أنْ تُسلّط دوائر الضوءَ على سائر جوانبها، تقليباً للمعضلة الاجتماعية التي أصبحت مؤرقةً للغاية، من كافةِ أوجهها، ذلك ليس من باب معالجة الظاهرة التي تستدعي إخضاعها للتشريح الدِّراسي من قِبل المشتغلين في علوم السوسيولوجيا والأنطربولوجيا، فضلاً عن انكباب السّاسة على إمكانية إيجاد حلول جذرية لإيقاف نزيفها السيَّال بلا انقطاع، وإنّما اِنصّب عملنا الدؤوب بتركيز على رصدِ الظاهرة عن كثب، بهدف نقل تمظهراتها وتجلياتها بكلّ أمانة، بغرض وضع معطياتها جملةً بين يدي المهتمين بهذا المضمار من جهة، ووضع القارئ الكريم أمام صورتها الحقيقية أو تقريبها منه من جهة أخرى، اِنسجاماً مع الدور الإعلامي المنوط بعاتقنا.

أسئِلة حَارقَـة..

فمـن هذا المنطلق، طرحت “وان نيوز”، في سياق اِنهماكها على معاينةٍ أقرب ما تكون مجهرية لظاهـرة “الحريك” الشَّاغِلة للرأي العام الوطني والمحلي خاصة، إثـر تقاطر آلاف من فئات عمرية معيّنة، تخص تحديداً الأطفال واليافعين والشباب، على مدينة الناظور، بشكل عَرَمْرمٍ، وبصورة متزايدة باتت تدعـو للقلق في أوساط ساكنة ما فتئت تـدّق ناقوس الخطر الزّاحف نحوها، (طرحت) الأسئلة الأبرز، باعتبارها المُدخل الأساس لمحاولة الفهم واستوعاب الآفة الاجتماعية، قبل وضعِ الإصبع على مكامن عِلّتِها، بحيث جرى اِستيفاء ذلك، ضمن سلسلة منشورة سلفاً في العديد من المنابر ووسائط الإعلام ومنصات التواصل الافتراضي، من ربورتاجات ميدانية معزّزة بالصوت والصورة، واِستطلاعات رأي ومقالات وتقارير صحفية، حاولتْ قدر المستطاع استفرادها بإجابات شافية، ضمن أعمال صحفية نُشرت على حدة، من ذلِك أسئلة تتعلق في عموميتها إجمالاً، بالبواعث والدوافع والأسباب الواقفة وراء بروز ظاهرة “الحريك”، ولماذا الناظور بالذَّات ما يُشكل أرضيتها الخصبة، بعد تحوّلها إلى قاعة انتظار كبيرة تمثّل أوّل عتبة للتدّرج، نحو بلوغ “الحرَّاكة” ضفاف الفردوس الأوروبي.

كيف تغذَّى “الحريك” مِن الشّبكة العنكبُوتيـة؟

الواقـع أنه لا يمكن حصر جميع العوامل التي تمخّض عنها انبثاق ظاهرة محاولة شريحة معيّنة اللّوْذ فراراً بجلدها صوب بلدان القارة العجوز، بعد مُخاصمتها وطنـاً اِتهمته بكونه ينبذهـا، وأنّـه لم يعد مُتسعاً لأحلامها البسيطة والكبيرة على ضآلة حجمها، على اعتبار أنها عوامل ترتبط في المقام الأول، بما هو اِجتماعي وسياسي واقتصادي، غير أنّ مـا اِستوقفنا، كون “المجتمع الافتراضي” المتّصل بالشبكة العنكبوتية، والذي أصبح أحد الأسباب الأكثر تأثيراً في الظاهرة التي باتت في اِزدياد رُقعتها نتيجة التغذِّي من وصلاتها وجولاتها الافتراضية، إذْ لا غُـرْوَ في الزَّعم، أنّ المواقع العنكبوتية الخاصة بالتواصل الاجتماعي، ساهمت بشكل أو بآخر، في إفراز شريحة اِختصرت “الحياة” في “ما بعد الوُصول إلى أوروبا”، وإرجاءِ “العيش” إلى غاية بلوغ “الضفة الأخرى” بأيّ ثمن، حتّى لو تطلب الأمر بالنسبة إليها المجازفة براهنها الآني، نتيجة وُقوعها تحت تأثير “المغريات” التي تستعرضها الصفحات الالكترونية، مثلما سنأتي على رُؤية نماذج منها حيّة أسفلـه..

نَماذِج صارِخـة..

يُظهـر شريط فيديو مدرجٍ على قناةٍ بمنصة “اليوتيب” تحمل اسم “مغربي في برشلونة” تحت عنوان “شرح كيفية الهجرة من مليلية إلى إسبانيا”، (يظهر) شابَّـان من الحراكة سابقاً، قبل أن يفلحا في التسلّل إلى ضفاف القارة العجوز، وهُما يشرحان كيفية الهجرة من ثغـر مليلية المحتل صوب سواحل شبه جزيرة إيبيريا، بعدما استخلصا دروسها التي يلقيانها، انطلاقاً من مغامرتهما في وقتٍ سابق، ذاقـا على مداها الأمرين بحاضرة الناظور، حيث تسكعا في أرجائها ونواحيها في انتظار اقتناص الفرصة المواتية للهجرة، كما توّجه بطلا الفيديو، بخطابٍ مباشر لفئة القاصرين المغاربة، يحثانهم على القدوم بأيّ وسيلة، تحت ذريعة أن الحصول على أوراق إقامتهم بالديار الإسبانية، أمرٌ سهل المنال بالنسبة لكل حرّاكٍ يافع لم يبلغ بعد سنّ الرّشد، وهـذا وحده كافٍ لكي يسيل لعاب قاصر ما تُحيط به ظروف معيّنة تُسهم في دفعهِ للإقدام على المجازفة المحفوفة بالمخاطر.

 حـرَّاك آخر مثله، يستذكر لحظة عبوره إلى جيب مليلية السليب، بواسطة شريط مصوّر، ويتحدث في حين، إلى زملائه “الحراكة” المتربصين الذين ما زالوا قابعين خلف الأسوار والأسيجة الحدودية المحيطة بالمدينة المحتلة، حول كيفية التسلّل إلى عُقر دارهـا حيث يتواجد هـو في انتظار اجتياز المرحلة الأخيرة من رحلة المئة ليلة وليلة لبلوغ الفردوس الأسباني، كاشفا لمن يهمّهم الأمـر، من عين المكان الذي هو تحديداً بجوار الميناء البحري، عن الوسائل التي يتسنَّى لهم “الحريك” من خلالها، للتخفّي عن أعين الشرطة التي لا تتوانى في محاربتهم، قبل أن يُحفِّزهـم على الحريك في دعوةٍ حاثّة على التجريب..

 ويسرد مراهق استطاع أن يصل الديار الألمانية متسللاً عبر باخرة للمسافرين بميناء مليلية، تفاصيل مغامرته مع “الحريك”، في مقطع فيديو بثّته قناته اليوتوبية الموسومة باسم “أزاك سبوو” مُعنوِنًا إيّاه بـ”أحسن فرصة لكل من يريد الذهاب إلى أوروبا عبر بوابة مليلية”، والحال أنه يوّجه كلامه لزملائه الذين يضعون نصب أعينهم “هدف الحريك” كما هو الشأن بالنسبة للمتحدثين الآخرين عبر الفيديوهات المماثلة التي لا تخرج عن نطاق الظاهرة، والحقيقة أن المتحدث يستعين بتمرير مغالطات للمستمعين الذين يُفترض أنّهم من شريحة الحراكة الذين يتحيّنون دورهم في تحقيق “فرصة العمر”، مشيراً لهم إلى أنّ جواز السفر المرّقم بأيٍّ من المدن المغربية، كالدار البيضاء ومكناس على سبيل العدّ، يُخوّل لهم فرصة ولوج حاضرة مليلية “فقط عليهم تجريب الأمر ليس إلاّ” يردف المتحدث ذاته.

“حرّاك” سابق آخر، عبر فيديو مغاير، يعمد إلى تركيز حديثه الموّجه إلى كافة الحراكة طبعاً، حول التوقيت المناسب الذي يمكن أن يختاره أيّ شابٍّ يروم التسلل سواءً عبر البوابة الحدودية لمليلية أو التسلل إلى الميناء البحري بداخلها، وكذلك التسلل عبر باخرة المسافرين، منبهاً إخوته الحراكيين على حدّ وصفه، إلى أن الهندام يلعب دوراً مهماً في كلّ هذه العملية لكي تتكلل المغامرة بنجاح.

 ويحكـي الشاب، بطل شريط السمعي البصري المعني، قصّة مثيرة يفيد أن تفاصيلها عاشها صديقٌ له تمكّن في نهاية المطاف، من الوصول إلى برشلونة بإقليم كاطالونيا، حيث يقطن الآن متنعماً في بحبوحة العيش، بعد سلسلة معاناة طويلة بأرجاء الناظور وبمحيط ميناء المسافرين بمليلية، موجها ما أسماه بـ”النصائح” للحرّاكة، جميعها تصّب في مسألة تحفيـز هؤلاء على الهجرة التي لا خيار ولا بديل عنها، بحسبه.

 ومثله يُسدي شابّ آخر، “نصائح” يصفها بالمهمة، يقول إنه اِهتدى إلى استخلاص عِبَرِها بعد تجربة قاسية ومريرة يحاول تسليط الضوء على أهم وأبرز محطاتها الصّعبة، سواء داخل التراب الوطني بأحواز الناظور، أو داخل حيّز مدينة مليلية الرّازحة تحت السيادة الاسبانية، قبل تطرقـه إلى بعض التفاصيل التي تعكس واقـع المعاناة والصعاب التي يتكبدهـا هـؤلاء منذ بدءِ خوض المغامرة إلى آخر المُستقر، أي بصيغة مغايرة: من ألفها إلى يائها.

 صفَحاتُ رأَس الحَرْبة..

عـلاوة على عرض الفيديوهات عبر الصفحات الافتراضية التي تزخر بها مواقع التواصل الاجتماعي ومنها أساساً فايسبوك، بالنظر إلى تزايد الإقبال عليه واِتساع دائرة عدد مستعمليه بالمغرب، نقف على صيغ من منشورات أخرى، لعلّ أبرزها يتجلى في “الستاتوهات” المُرْفقة أحياناً بالصوّر الموّثقة لنماذج التجارب “الناجحة” في أوساط الحرّاكة، ويميّزها عادةً تعمّدها نقل لحظات “الزَّهـو” و”النَّعيـم” التي يعيشها الواحد من هؤلاء بمجرد ما تطأ قدمه تراب أوروبا، والأنكى أن هذه المنشورات التي تحمل في الغالب الأعم توقيع من يطلق عليه “حرّاك سابق”، لا تتوقف عن الصدور كـ”ماكينة” تَعْتَمِل بشكل متلاحقٍ تِباعـاً، ثمّ إنّ المتتبع لِسَيْلِها سيقف على حقيقة تميّزها أيضاً بتفاعـلٍ مكثّف منقطع النظير، قياساً بالصفحات التي تُعنى بشؤون مغايرة تماماً، مما يُستشف منه، أن نسبة عدد روّادهـا الذين قد يُساغ اِعتبارهم مشاريع حرّاكة، تقفز إلى أرقام مهولة للغايـة.

نِهايتُـه..

إنّ اللاّفـت في الأشرطة السمعية البصرية، التي يُسارع “الحرَّاكة” السابقون، إلى عرضِها عبر الصفحات الافتراضية بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، وبثِّهـا على شاشة منصة “يوتيب” العالمية، يكمُـن في تقاطعها المُنحصر أساساً في مسألة اِعتماد خطاباتٍ يغترف قاموسها الأوحد من مفردات “التحفيز والتشجيع”، وعرضِها على شاكلة “رسائل” وهيئة “نصائح” موّجهة لطابور أفواج المتربصين بفرصة عبور البحر، بحيث تكاد لا تخلو مضامينها من صياغة حاثّةٍ على دفـع القاصر وَالشاب، على تجريب حظِّـه العاثر في طرق أبواب الحريك، بعد إظهار هذا الحظّ أقرب إلى نيل مبتغاه، الأمـر الذي يثير لهفة الكثيرين فيضطرهم وَقْـع هـذه “الرّسائل” التي لا تُخطئ عناوينها بالمرّة، إلى خوضِ التجربة المحفوفة بالمخاطر، والمفتوحة على كـلّ اِحتمالات الضياع والتشرد، بما فيها اِحتمالية النّزر القليل من بوادر الفـلاح، فلاحٌ يلوح به غـدٌ قد يأتي وقد لا يأتـي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى