اخبار 24 ساعةحوادثدوليةشؤون دينيةكتاب وأراءمجتمعمدارات

هجوم بالسكاكين في باريس يحيي الجدل حول الإسلام السياسي

وان نيوز/ الأمين مشبال

أعاد الاعتداء على مواطنين فرنسيين بالسكاكين يوم 25 شتنبر الجاري بباريس، والذي تزامن مع انطلاق محاكمة “شارلي إيبدو” إلى الواجهة الإعلامية الفرنسية خصوصا والأوروبية عموما، النقاش حول الأعمال الإرهابية التي يرتكبها أفراد معزولون متأثرون بتوجهات يمينية متطرفة أو متشددة دينيا.

وجهان لعملة واحدة

شهد العقد الأخير تصاعدا ملحوظا في عمليات قتل بالرصاص أو السلاح الأبيض، تستهدف مدنيين عُزَّل ذنبهم الوحيد أنهم مهاجرون، أو بشرتهم سوداء، أو يعتنقون اليهودية أو الإسلام. فقد كشف تقرير أنجزه سنة 2018″برنامج دراسات التطرف” في جامعة جورج تاون الأمريكية ، وبرنامج “دراسات التشدد والإرهاب الدولي” في معهد دراسات السياسة الدولية الايطالي في ميلان، أنه خلال الفترة المتراوحة ما بين شتنبر2014 ونهاية غشت 2017، نفذ متطرفون من جنسيات مختلفة ثلاثة وستين  هجوما في تسع دول أوروبية، منها فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وفنلندا والسويد والدانمارك،أدت إلى مقتل 424 شخصا وجرح 1800 آخرين. واستهدفت تلك الهجمات مناطق تعج بالمارة، وأماكن للترفيه (مقاهي،مطاعم، مسارح)، و محطات لنقل المسافرين.

أدى تعمق الأزمة الاقتصادية وما نجم عنها من تفشي البطالة وانسداد للأفق الاجتماعي، بموازاة مع عوامل أخرى جعل فئات واسعة من الشباب التي تحس بالمهانة وخيبة الأمل، تعبر عن هامشيتها من خلال تعاطي المخدرات وولوج عالم الإجرام. كما وجدت فئة أخرى  ملجأ في الخطاب “الأخلاقي” للجماعات الأصولية والتكفيرية بمختلف تلاوينها، الذي يتمحور عموما حول رفض بعض مظاهر الحياة الغربية، خاصة استهلاك الخمور وتقييد المرأة، و”الجهاد ضد الغرب الكافر”، استجابة لنوازعهم العميقة وإحباطاتهم، وتنامي الشعور بالهوية لديهم.

فخطاب الجماعات الأصولية بمكوناتها المختلفة(وهابية،سلفية …الخ)،اقتات من فشل المشاريع القومية في المشرق العربي في تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومن تجبر إسرائيل واضطهادها للشعب الفلسطيني، لتقدم نفسها البديل المنتظر. ولأجل كسب قلوب الشباب في العالم العربي أو بأوروبا توسلت بالمقولات الفقهية الأشد تشددا وتعصبا ودموية في الكتب الفقهية، وعزلتها عن سياقاتها التاريخية، ووظفتها في سبيل إقامة “دولة الخلافة”أو في صراعات جيوسياسية كما كان الشأن في الحرب التي سخرت فيها الولايا ت المتحدة الأمريكية حلفاءها الإقليميين(تركيا والسعودية وقطر) لإسقاط النظام السوري.

مقابل الخطر الذي أصبحت تمثله الجماعات المتطرفة التي تنشر خطاب العنف والكراهية وتحث المسلمين الأوروبيين على العيش في غيتوهات اجتماعية وثقافية على هامش مجتمعاتهم، تشهد الجماعات والخطابات العنصرية واليمينية المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة ألأمريكية تزايدا خطيرا. إذ تسلط إحصائيات جرائم الكراهية المتصاعدة الضوء على العنف المتزايد والمضايقات التي تتعرض لها الأقليات، كما تدل على ذلك الهجمات الإرهابية الأخيرة في نيوزيلندا والولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة ضد المهاجرين وضد المسلمين. فخلال العقد الأخير عرفت تلك الجرائم الإرهابية تزايدا ملحوظا، كان أكثرها دموية هجوم ضد مسجد بكندا سنة 2017،أدى إلى مقتل ست مصلين، ثم هجوم على مسجدين أثناء صلاة الجمعة بنيوزلندا سنة2019،مما أدى إلى مقتل خمسين شخصا وجرح العشرات.

وإذا كانت تلك الجرائم يرتكبها في معظم الأحيان “ذئاب منفردة”، فإنه لا يمكن إخلاء مسؤولية الجماعات والأحزاب اليمينية المتطرفة التي تؤسس خطابها على “شيطنة” المسلمين والمهاجرين، وتحملهم مسؤولية كبيرة في ارتفاع نسبة البطالة لدى المواطنين الأصليين، وازدياد نسبة الجرائم بتلك البلدان، وتهديد القيم والتقاليد الأصيلة لشعوبها. والملاحظ أن خطابات العنصرية والكراهية بشكل أو آخر أخذت تجد لها صدى واسعا لدى الرأي العام الغربي، ولا أدل على ذلك التقدم في عدد الأصوات وفي البرلمانات الأوروبية الذي حققته مجموعة من الأحزاب اليمينية الشعبوية كما هو الشأن ل”حزب الشعب” بالدانمارك و”الجبهة الوطنية” في فرنسا، وحزب “البديل لألمانيا”و”حزب الحرية” الهولندي …إلخ.

هذه التطورات تؤكد حقيقة مفادها أن خطاب الهوية المنغلقة وخطاب الكراهية والعنف لدى الجماعات المتأسلمة المتشددة، التي تعتبر “الغرب كافرا” و “دار حرب”،يجوز قتل رجاله وسبي نسائه، يقابله لدى الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا وأمريكا خطاب “الإسلاموفوبيا”،واعتبار المسلمين  تهديدا يحدق بثقافتهم وتقاليدهم.

فالأفعال الإرهابية التي يرتكبها المتطرفون من هذا المعسكر أو ذاك،وقبل أن تتحول إلى دماء مسفوكة وأمتعة مدكوكة، تكون في المنطلق مجرد آراء فقهية أو خطابات سياسية، لكنها ما تلبث أن تجد صداها لدى بعض من يجدون فيها المسوغ لقتل وإلحاق الأذى بالآخر الذي لا يشاطرهم عقيدتهم الدينية أو لونهم أو نمط حياتهم.

أي تدبير للإسلام السياسي ؟

شهدت فرنسا خلال السنوات الأخيرة، بتزامن مع أعمال إرهابية لأفراد أو جماعات،نقاشات وجدالات حادة حول ارتداء الحجاب أو النقاب داخل الفضاءات العمومية أو المدارس، وحول حضور الإسلام داخلها، ومدى قدرته على الاندماج في حياتها.

في سياق هذا النقاش،أثار كتاب “تقية” Taqqiya (صدر سنة 2019) استند فيه الصحفي الجزائري محمد سيفاوي على نتائج تحقيق صحفي أنجزه شخصيا،ضجة إعلامية ،لما كشفه من تغلغل عميق للإخوان وللتيارات السلفية داخل فرنسا منذ عقود،وسعيهم الدؤوب إلى التغلغل داخل الجامعات والمنتخبين والجمعيات النسائية والمناهضة للعنصرية، وتطوير اقتصاد هوياتي قوي عبر تطوير سوق”حلال”،وذلك بغية نسف تدريجي لقيم الجمهورية الفرنسية من قبيل فصل الدين عن الدولة،والمساواة ما بين الرجل والمرأة، مستغلين في ذلك ما تتيحه الديمقراطية الغربية من حرية التعبير والنشاط السياسي. كما أبرزت الخلاصات التي وصل إليها برنار روجيه مدير الدراسات العربية والشرقية والأستاذ بجامعة السوربون في كتاب جماعي أشرف على إنجازه بعنوان “الأراضي المستولى عليها من الإسلاميين” « Les territoires conquis par les islamistes »، (صدر سنة2019)اعتمادا على شهادات حوالي أربعين من الجهاديين الشباب المعتقلين، وأبحاث ميدانية قام بها طلبة مسلمون في أحيائهم الأصلية، أظهرت كيف تم تحويل عقيدتهم الدينية إلى إيديلوجيا، وكيف تنتهج التيارات الإسلاموية نفس الأساليب التي اتبعتها في بلدان مغاربية وعربية عموما منذ ثلاثين سنة والتي أعطت أكلها. إذن لا غرابة أن يظهر استطلاع حديث للرأي أنجز في أكتوبر2019، أن 56 بالمائة من الفرنسيين يعتبرون أن مواجهة الظاهرة الإسلاموية مسألة مستعجلة، وتحل في الدرجة الثانية من اهتماماتهم بعد البطالة (67 بالمائة)،وتدني القدرة الشرائية(66 بالمائة).

تشديد في القوانين

من الأكيد أن الاعتداء بالسلاح الأبيض الذي ارتكبه شاب باكستاني ضد مواطنين فرنسيين قرب المقر السابق لصحيفة “شارلي إيبدو” في باريس، سيكون له صداه في النقاش العمومي الفرنسي، وفي الخطاب المرتقب لرئيس الجمهورية يوم 2 أكتوبر القادم بشأن التعامل الرسمي مع ظاهرة الإسلام السياسي في فرنسا. كما قد تكون له عواقب تزيد من تشديد القوانين ضد الإرهاب والإجراءات ضد الهجرة، وبالتالي فإن مثل هذه العمليات الإرهابية لا تؤدي في نهاية المطاف إلا إلى صب الماء في طاحونة اليمين المتطرف المعادي للمسلمين والمهاجرين عموما، علما أن العكس صحيح تماما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى