أقلام حرةالسلطة الرابعةحواراتكتاب وأراءمجتمعمغاربة العالم

هكذا تكلم جيل بيرو

وان نيوز/ ع العزيز الطريبق

اشتد القصف الموجه من فرنسا، مؤخرا ضد المؤسسات المغربية وعلى رأسها المؤسسة الملكية في ما يشبه حملة “تأديبية” متناسقة… وكان آخر من انخرط في هذه اللعبة هو “المحقق الكبير” جيل بيرو(89 سنة Gilles Perrault)، صاحب كتاب “صديقنا الملك” الذي صدر منذ ثلاثين سنة.

ففي حوار موجه (متذاكي) أجراه معه موقع orientxxi.info (يوم24 شتنبر 2020) تم “تسخين البندير”، بداية، بالتطرق إلى الكتاب المعلوم وكأن تاريخ صدوره يؤرخ لفتح الأندلس، هو كتابه ومن حقه، بطبيعة الحال، أن يتذكره كما يشاء رغم أنه اقتسم حقوق تأليفه مع كريستين السرفاتي، زوجة المرحوم أبراهام السرفاتي.

فبدون كريستين، يخبرنا بيرو لم يكن للكتاب أن يرى النور، خصوصا وأنه لم يصدقها في البداية. لكنه عاد لتصديقها واعتمد عليها كمصدر أساسي لضبط المعلومات والتأكد من صحتها (أي ما يسمى recoupement) لأنه كان يعيش بباريس ولم تطأ قدمه المغرب منذ أن كان شابا.

لنتجاوز هذا الأمر، وقد حقق الكتاب ما حققه من مبيعات، واقتسم بيرو السخي حقوق المؤلف مع كريستين السرفاتي. بعد ذلك بثلاثين سنة، تغيرت أشياء كثيرة في المغرب. بل حتى أبراهام وكريستين السرفاتي غيرا خطابهما وانخرطا في مسلسل المصالحة الوطنية الذي تم منذ حوالي عشرين سنة وعادا للمغرب لقضاء آخر أيامهما.

لكن يبدو أن هناك من لم يعجبه الأمر بالمرة وظل يحاول النفخ في الرماد بين الفينة والأخرى. قد يفهم أن يتردد بعض من عانوا من الشطط زمن حكم الحسن الثاني في طي الصفحة. لكن أن يسلك بعض فطاحلة “التفكير السديد” من الفرنسيين هذا الطريق فهذا ما يثير الاستغراب حقا، خصوصا وأن بلدهم لا يخلو من مشاكل تستحق الاهتمام من طرفهم عوض الانقضاض على بلدان أخرى لا تعنيهم في شيء.

وينسحب هذا الاستغراب كذلك على تلك الفئة من المغاربة التي أشاحت بوجهها عما كان يجري في البلاد وقتها وانتصبت الآن “طرفا” في الموضوع فيما يشبه نضال “الوقت الثالث”… لكن، نية بيرو، أو من وجهه لذلك، اتضحت بمجرد الفراغ من مقدمته “الحسنية” الطلالية حيث انتقل لموضوع كان من الحري به أن يفكر فيه مليا وينوع من “مصادره” قبل التطرق إليه، وهو المقيم بفرنسا.

يقر بيرو بأن المشكل الرئيسي في المغرب هو مشكل “اجتماعي” بوثوقية “مصادره” الخاصة وبأن الملكية كنظام “غير مؤهلة لحل هذا المشكل”. كيف انتهى إلى هذه الخلاصة وهو لم يزر المغرب منذ شبابه؟ وما كانت “مصادره” هذه المرة؟ إريك لوران وكاترين غراسيي ربما، وهما صحافيان متابعان بفرنسا حاليا بتهمة ابتزاز القصر الملكي؟ أو أنه مجرد تصريح أطلقه لترضية مستجوبه؟

وفي محاولة انتقاصه من العهد الحالي كاد بيرو أن يتأسف على عهد الحسن الثاني رغم كونه كان “قاسيا بشكل مجاني” حسب تعبير الرئيس الفرنسي السابق شارل دو غول. وقد كان دو غول رئيس دولة من العيار الكبير حقا، لكن في عهده آمر الحكم الفرنسي أجهزته بالقيام ب38 عملية اغتيال نجحت منها 17 وكانت موجهة في جزء منها ضد بعض المواطنين الفرنسيين أنفسهم (كنت أفضل أن يعمل بيرو قدراته “التحقيقية” في هذا الاتجاه ” وأن “يلعب في باب داره”).

يقول بيرو، إذن، إن الحسن الثاني كان رئيس دولة حقيقي، يحب “السلطة” وحتى المال، لكنه كان يحب السلطة بشكل خاص! هذا الاعتراف المتأخر بحجم الحسن الثاني (الذي ليس في حاجة لمثل هذه الشهادة) لم يكن سوى مقدمة للهجوم على الملك الحالي. هذا الأخير ليس رجل دولة في نظره لأنه يحب المال فقط ولا يحب السلطة.

هنا تحول بيرو الكاتب إلى اختصاصي في العلوم السياسية قادر على تحديد إن كان ملك ما في حجم رجل دولة أم لا… كيف تأتى له “اكتشاف” هذا وما هي مصادره هذه المرة؟ هل أخذ “علمه” من الكتب المفترسة لبعض الصحافيين الفرنسيين الذين يحنون لعودة أيام الضيافة بفندق المامونية المراكشي؟ ويورد بيرو، في معرض حديثه، كلمة موضوعة بين مزدوجتين، تتعلق بحث المعلنين المغاربة على “منع” الإشهار عن الصحف المستقلة بالمغرب، لكنه لا يخبرنا بمن نطق بهذه الجملة رغم كونه “محققا” محنكا ورغم كونه يعيش بعيدا عن المغرب ومن الصعب أن يسمعها مباشرة بل بلغت له…

وعلى ذكر المغرب أبدى بيرو شجاعة كبيرة وهو يذعن ل”تلميحات” المستشار الملكي أندري أزولاي بعدم القدوم للمغرب مع العهد الجديد لأنه سيعاد من المطار.

لماذا خانته شجاعة القدوم للمغرب، مصحوبا بوفد صحافي يسجل الحدث؟ أقصى ما كان سيتعرض له هو العودة لفرنسا في نفس الطائرة مع تسجيل كارثة إعلامية ضد المغرب. لعل الجرأة خانته وهو الذي يمارسها عن بعد داخل مكتبه الدافئ.

ألا ينشغل السيد بيرو، ومن هم على شاكلته، بمشاكل بلدهم وهي كثيرة ويتركوا المغاربة يتدبرون أمرهم ضمن منهجهم السياسي وليد قرون متعددة؟ كفى من الأبوية ومن الوصاية. انشغلوا برؤسائكم، وتأكدوا في عين المكان، هل لهم حجم رجال دولة حقيقيين أم لا؟.

طبعا توفرت فرنسا على بعض رؤساء الدولة من الحجم الكبير، والذين لم يترددوا، خدمة لمصالح فرنسا الإستراتيجية أو المباشرة، في شن العديد من الحروب في أماكن مختلفة من العالم وفي الموافقة (المباشرة أو غير الواعية) على ممارسة التعذيب، مثلا، ضد المقاومين الجزائريين (خلال حرب التحرير الجزائرية) وغيرهم، أو على التصفية الجسدية لمن يصنفون كأعداء لفرنسا ومن بينهم فرنسيون حتى…

لقد حكمكم ساركوزي أيها السادة، لهذا ركزوا على ما يقع في بلدكم قبل أن تستيقظوا على حكم مارين لوبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى